سيد محمد طنطاوي
165
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله : * ( وفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ) * أي : ويطاف عليهم بفاكهة يتلذذون بأكلها ، وهذه الفاكهة تأتيهم من كل نوع ، على حسب ما يريدون ويشتهون . * ( ولَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ) * مما يحبونه ويختارونه من هذه اللحوم الطيبة المحببة إلى النفوس ، يطاف عليهم به - أيضا - وقوله : * ( وحُورٌ عِينٌ ) * معطوف على قوله * ( وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ) * أي : ويطوف عليهم - أيضا - نساء عيونهن شديدة البياض والسواد في سعة وجمال . وهؤلاء الحور العين * ( كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ) * أي : يشبهن اللؤلؤ المكنون الذي لم تلمسه الأيدي ، في صفاء بياضهن ، وفي شدة جمالهن . وقوله - سبحانه - : * ( جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) * بيان للأسباب التي أوصلتهم إلى هذا النعيم الكبير . . ولفظ * ( جَزاءً ) * منصوب على أنه مفعول لأجله لفعل محذوف ، أي : أعطيناهم هذا العطاء الجزيل ، جزاء مناسبا بسبب ما كانوا يعملونه في الدنيا من أعمال صالحة . قوله - تعالى - : * ( لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً ولا تَأْثِيماً . إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً ) * تتميم للنعم التي أنعم - سبحانه - عليهم بها في الجنة . واللغو : الكلام الساقط الذي لا فائدة منه ، ولا وزن له . يقال : لغا فلان يلغو . إذا قال كلاما يلام عليه . والتأثيم : مصدر إثم ، إذا نسب غيره إلى الإثم وفعل ما لا يليق . أي : أن هؤلاء المقربين لا يسمعون في الجنة كلاما لا يعتد به ، ولا يسمعون - أيضا - كلاما سيئا أو قبيحا ، بأن ينسب بعضهم إلى بعض ما لا يليق به ، وإنما الذي يسمعونه هو الكلام الطيب المشتمل على الأمان المتكرر ، والتحية الدائمة . ولفظ * ( سَلاماً ) * الأول ، بدل من قوله * ( قِيلًا ) * أو نعت له . . أي : سالما من العيوب . والتكرير لهذا اللفظ القصد منه التأكيد ، والإشعار بكثرة تحيتهم بهذا اللفظ الدال على المحبة والوئام . أي : لا يسمعون في الجنة إلا سلاما إثر سلام ، وتحية في أعقاب تحية ، ومودة تتلوها مودة . والاستثناء منقطع ، لأن السلام لا يندرج تحت اللغو ، وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم ، و * ( قِيلًا ) * بمعنى : قولا ، وهو منصوب على الاستثناء . .